تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٣ - حكمة قرآنية
حكمة قرآنية
اعلم إن علم المعاد من أعظم أمهات الايمان و أصوله و أشرف الحكمة المتعالية و فصولها، قلّ من الحكماء من لم يزلّ قدمه في سلوك طريقه. و ندر من العلماء من بلغ فهمه إلى درك تحقيقه، و خاض في لجة بحر تعميقه، الناس في الاعتقاد بهذه المسألة بين مقلد محض و جاحد صرف، كم من مجتهد في سائر المسائل إذا وصل هاهنا حمل قلادة التقليد على عنقه طاعة للشرع المبين، و كم من باحث يسلم سائر المقدمات الايمانية و يقبل بفهمه جلّ الأصول الاعتقادية متى استعرضت هذه المسألة على طبعه الوقّاد جحد و أنكر و نهج طريق الغواية، و انحرف عن جادة الحق و اليقين و لأمر ما وقع التكرار و التكثار في القرآن المجيد لبيانها و دفع الإنكار و الاستنكار عن الخصوم بطرق كثيرة لتبيانها، و الاهتمام لتحريرها و تقريرها أزيد من غيرها، و ذكر جحود الجاحدين فيها أكثر من ذكر جحودهم في غيرها.
و إنى لم أر أحدا من الفضلاء عنده خبر تحقيق في هذا المرام، الذي هو قرة عيون الكرام، و لا وجدت في كلام أحد من فحول علماء الإسلام من السابقين و اللاحقين ما كان فيه شفاء لعليل هذا الداء العضال التي عيّت أطباء القلوب من الحكماء العظام، أو يكون به رواء غليل في حل هذا الإشكال التي عمت داهيته الخاصّ و العام، و قليل من فحول أساطين الحكماء الربانيين من حقق علم المعاد الجسماني على النهج اليقيني و الطمأنينة البرهانية و السكون العرفاني، لان المقدمات الحسية الدنياوية لا تنتج النتيجة الاخروية، و القضايا الدائمة العقلية لا تستوجب المطلوب المثالي، فكيف يجد الإنسان الطريق إلى مثل هذا المطلوب الذي هو أحد عمودي الاعتقاد، و هما علم المبدإ و علم المعاد؟
و الحكماء كأبي على سينا و من في طبقته و إن بلغوا في تقديس المبدإ و تنزيهه عما لا يجوز عليه من المثل و الشبه و النظير إلى ما بلغوا، و وصلوا في توحيده تعالى